السيد محمد تقي المدرسي
69
من هدى القرآن
والتكامل والانسجام بينهما ، اليسا هما كلًا من لدن الله العليم الحكيم ؟ . وإنمّا التذكرة تُعتبر من مفاتيح فهم هذه المعادلة التي تحقق التوازن بين العقل والوحي . وتوضيحا نقول : أولًا : دعنا نتجاوز الدوران حول الألفاظ التي اصطُلِح عليها في الثقافات البشرية التي لا نعتقد أبداً أنّها العقل وإنما هي أفكار عرضة للصواب والخطأ بحسب موازين علم المناهج ، بل المناهج البشرية التي تُسمّى ب - ( العقلائية ، العلمية ) هي كذلك ليست العقل وإنما هي مكتسبات العقل مُضافةً إلى الخبرة المعرفية البشرية بما فيها من نسبة الخطأ . بينما الوحي منهج ( موثوق ، معصوم ) عقلائي من مناهج المعرفة . والعقل مهيمن على المناهج برمِّتها . فالتقابل إنمّا هو بين مصادر المعرفة وليس بين الوحي والعقل كما يحلو لدعاة التجديد أن يتصوروها . من هنا نعرف إن سر أرجحية الوحي إنما هو بسبب مصدره ( الإلهي ) المعصوم ، وقد تَقلّ درجة الاعتماد عليها بسبب توسط المناهج البشرية بيننا وبينه في مثل خبر الثقة ، فهناك يكون المعيار هو المناهج العقلية الأقرب إلى الصواب . ثانيًا : هناك فرق بين دورين لمصادر الوحي : دور التعليم ودور التذكرة ، فبينما يكون دور التعليم معتمداً على التسليم المطلق حيث أن الوحي نازل من لدن العليم الحكيم ، يكون دور التذكرة هو إستثارة العقل ثم التسليم لما ينتهي إليه التفكّر السليم . لذا فإنّ التذكرة تعتمد على إستنطاق العقل واستثارته تنبيها له لحقائق يجدها في كيانه ويقر بها وجدانًا ، ويتأكد دور التذكرة في مرحلة الاحتجاج والحوار والتعريف بهذا الدين في أصوله ومعارفه الاعتقادية والأخلاقية حيث يؤمن الإنسان من خلال انفتاح عقله على الحقائق وإذعانه بها . وهذا هو دور التذكرة في مجال فهم القرآن حيث أن ( التذكّر ) وسيلة مثلي لعبور العقل من الآيات القرآنية إلى بصائرها وحقائقها الموجودة في باطنه وفي آيات الطبيعة المحيطة به . وحين تكون الآيات جسرا للعقل للنفاذ للحقائق فلن يقف عند ظاهرها ، وإنما ينفذ إلى غورها البعيد . ثالثًا : لا ريب في حجية العقل ، ولا ريب في أن الوحي والعقل صنوان ، كما إن ( التذكّر ) عنوان إستنطاق العقل بالوحي ، إلا أنَّ المعوّل على ما يريد القرآن إيصاله من حقائق للبشر . أما الثقافات البشرية فهي مخلوطة حيث تتراكم الحجب بين العقول وبين الوحي ، وهكذا ترى